أصبحت الخوارزميات تقود حراكنا اليومي، تطحن الأفكار وتصنع منا نسخ متشابهة، حتى أمسى العثور على “صوت أصيل” عمله نادرة جدا.
قبل بضعة أيام قرأت مقابلة لا أعرف لماذا الفضول قادني لها وأنا اتصفح موقع The Subtext مع المصممة والباحثة الأمريكية إليزابيث جودسبيد.
إليزابيث ليست مجرد مصممة جرافيك بل هي “أرشيفية” تدرّس في كلية رود آيلاند للتصميم، وتملك شغفاً مجنوناً بجمع كل ما هو عابر ومنسي؛ من مفارش الموائد الورقية في مطاعم السبعينيات، إلى أشرطة الكاسيت القديمة وقوائم الطعام التالفة.
حين تفكك حديث إليزابيث، تجد نفسك أمام مرآة تكشف واقعنا الإبداعي اليوم كـ “عاملين ومهتمين بهذا المجال، التصميم وما حوله”. ومن هذه المقابلة، خرجتُ لك بثلاث نقاط أراها شديدة الأهمية لواقعنا الإبداعي في العالم العربي اليوم.
النقطة الأولى:
وهم التغذية البصرية.. هل نسرق أذواق الآخرين؟
تفجر إليزابيث مفاجأة صادمة حين تقول إنها تضحك كثيراً عندما يخبرونها مصممون في ستوديوهات ووكالات كبرى بأنهم يعتمدون على لوحاتها في “Pinterest” لتجهيز لوحات الإلهام لمشاريعهم! عتبها هنا ليس من باب احتكار المعرفة، بل تسألهم مستغربة: “شكراً لكم، ولكن.. ألا تودون القيام بهذا البحث بأنفسكم؟”.
أما نحن في الوطن العربي تحولت “التغذية البصرية” لدينا إلى كسل إبداعي بدرجة الإمتياز نحن لا نبحث في أصل الأشياء، بل نبحث في “بحث الآخرين”. ندخل إلى Pinterest أو Behance لنرى كيف قدم هذا المصممٌ عمله، ثم ننسخ فكرته؛ لقد وصلنا إلى مرحلة لا نبحث فيها عن حل أصلا، بل نستنسخ النتيجة. الذوق الحقيقي والعمل الاصيل لا يولد من خوارزمية جاهزة، بل من فضولك الشخصي ونزولك إلى أرض الواقع؛ من تأمل خطوط لافتات الشوارع القديمة في مدينتك، أو تصفح المجلات العربية في الثمانينيات، مما تملكه من كتب في مكتبتك ومن صنع “أرشيفك الخاص” بيديك.
النقطة الثانية:
فوبيا “الذوق الرديء” وتوحيد العالم
تطرح إليزابيث فكرة فلسفية عميقة حول سبب أزمة “الذوق” اليوم؛ فترى أن الثقافة الاستهلاكية الموحدة جعلت خياراتنا ضيقة جداً (إذا أردت لوحة لجدارك تذهب لمتجر تجاري ضخم، وإذا أردت مجسماً تشتري دمية فونكو بوب). النتيجة؟ أصبح الناس يخشون إبداء آرائهم البصرية خوفاً من أن تُوصف بأنها “غير ذواقة” أو خارجة عن المألوف.
أن أكبر معضلة في مجالنا اليوم هي الخوف من النقد؛ وهذا جعل التصاميم العربية اليوم تتشابه، ذات الألوان “التريند” التي نشرها المغرد الفلاني، ذات الخطوط العصرية المكررة التي اقترحها الحساب الفلاني على الإنستغرام، وذات الهويات البصرية الهشة التي تنسى بعد أسبوع؛ والتي بالمناسبة تنال الكم الهائل من التصفيق والـ “الواو”.
لكي تطور ذوقاً يطلبه الزبون ويبحث عنه، عليك بالتحرر من “فوبيا الخطأ”، ويجب عليك أن تعرض نفسك لثقافات بصرية مختلفة وخوض نقاشات شجاعة حولها. الذوق ممارسة وتجربة، وليس كتالوجاً ثابتاً او برومبت نشرها أحد ما منسوخا من حساب أجبني.
النقطة الثالثة:
لعنة “متعدد المواهب” والخيط الخفي
تعترف إليزابيث بصراحة تربك الكثيرين: رغم خبرتها، هي تشعر بالحرج في التجمعات والفعاليات حين تُعرف نفسها بأنها “مصممة وكاتبة”؛ لأن المسميات المتعددة تُحدث ضبابية لدى المتلقي لكنها في النهاية حسمت أمرها بوجود “خيط خفي” يربط كل ما تفعل، وهو: الاهتمام بالتاريخ والثقافة البصرية من جهة و تصميمها للزبائن وكتابتها للمجلات معللة إن هذان هما مجرد مظهرين مختلفين لهذا الخيط الخفي الذي يجمعهم.
ومن هنا نستفاد إن سوق العمل اليوم، يَطلُب من المستقل أن يكون مصمماً، و كاتب محتوى، ومسوقاً في آن واحد. هذا التشتت قد يقتلك مهنياً ما لم تجد “خيطك الخفي”. لا بأس أن تكون متعدد المهارات والمواهب، ولكن ابحث عن الرابط الإبداعي الذي يجمعها؛ هل هو شغفك بتبسيط الأفكار المعقدة؟ أم ولعك بالهويات البصرية التراثية؟ عندما تكتشف هذا الخيط، ستختفي حيرة المسميات وتصبح هويتك المهنية واضحة وجاذبة للزبائن.
الخاتمة و جحر الأرنب
تقول إليزابيث إن عملية البحث والتصميم تشبه: “السقوط في جحر أرنب يقودك إلى سلم، ينتهي بك إلى جحر آخر، لتقفز منه على منصة بهلوانية.. وكلها خيوط تتصل ببعضها في النهاية”.
نصيحتي لك كقارئ ومصمم في نهاية هذا العدد: لا تكتفِ بالوقوف على حافة الجحر للتفرج. أسقط في تفاصيل بحثك الخاصة، وتأمل ما يمر عليه الآخرون مرور الكرام، فهناك تصنع بصمتك الحقيقية.
ألقاك في العدد القادم مع موضوع أخر مما قرأت.
دمتم بفضول إبداعي مستمر..